علي بن محمد البغدادي الماوردي

79

أدب الدنيا والدين

تقدمت صحبته . فقد قيل لبعض الحكماء : من أذل الناس ؟ فقال : عالم يجري عليه حكم جاهل . وكلمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جارية « 1 » من السبي فقال لها : من أنت فقالت : بنت الرجل الجواد حاتم فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ارحموا « 2 » عزيز قوم ذل ارحموا غنيا افتقر ارحموا عالما ضاع بين الجهال » . ولا يظهر له الاستكفاء منه والاستغناء عنه فإن في ذلك كفرا لنعمته واستخفافا بحقه وربما وجد بعض المتعلمين قوة في نفسه لجودة ذكائه وحدة خاطره فقصد من يعلمه بالاعنات « 3 » له والاعتراض عليه إزراء به وتبكيتا « 4 » له فيكون كمن تقدم فيه المثل السائر لأبي البطحاء : أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد « 5 » ساعده رماني وهذه من مصائب العلماء وانعكاس حظوظهم أن يصيروا عند من يعلمونه مستجهلين وعند من قدموه مسترذلين . وقال صالح بن عبد القدوس : وإن عناء أن تعلم جاهلا * فيحسب جهلا أنه منك أعلم متى يبلغ البنيان يوما تمامه * إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟ متى ينتهي عن سيّئ من أتى به * إذا لم يكن منه عليه تندم ؟ وقد رجح كثير من الحكماء حق العالم على حق الوالد حتى قال بعضهم : يا فاخرا للسفاه « 6 » بالسلف * وتاركا للعلاء والشرف آباء أجسادنا هم سبب * لأن جعلنا عرائض « 7 » التلف من علم الناس كان خير أب * ذاك أبو الروح لا أبو الجيف

--> ( 1 ) جارية : من سبايا طيء : هي سفانة قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : هلك الوالد ، وغاب الوافد ، إن رأيت أن تخلي عني ، وألا تشمت بي أحياء العرب ، فإن أبي كان يفك العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ولم يرد طالب حاجة قط ، فض عليّ من اللّه عليك . ( 2 ) ارحموا عزيز . . . رواه الطبراني عن ابن عمرو . ( 3 ) في الإعنات له : أعنته أوقعه في العنت أي في المشقة . ( 4 ) وتبكيتا له : من بكته إذا غلبه بالحجة حتى أسكته . ( 5 ) اشتدّ : استقام في الرماية . ( 6 ) للسّفاه : أي لسفاهته وقلة عقله . ( 7 ) عرائض التلف : يعني أن أباءنا أسباب لوجودنا المعروض للتلف ، وخروجنا إلى الدنيا .